السيد محمد تقي المدرسي

277

من هدى القرآن

ثم إنها توجه طاقات الشعوب في دمارها ، وتشعل الحروب لأطماعها الرخيصة ، ثم تدفع الناس ضحايا وقرابين من أجلها ، ولنا أن نتصور أحد معاني الموت في ظلها بنظرة خاطفة إلى النظام الاستكباري الذي يحكم العالم اليوم ، وإلى ترسانات الأسلحة المدمرة ، التي تكفي لتدمير الأرض مئات المرات ، وهي تزرع الآن الخوف في كل العالم ، كما تمتص ثروات الناس ، وتمنعهم من الانتفاع بها في سبيل تقدمهم ورفاههم ! . ثم إن مقياس الحياة وبالذات عند المؤمن ليس القيام بالوظائف المادية الضرورية كالأكل والشرب والتنفس والحركة و . . إنما مقياسها على ضوء الأهداف والقيم الإنسانية والإلهية ، وما هي قيمة الإنسان إذا جُرِّد من حريته وكرامته ؟ ! لا ريب في أن الموت أهون عليه من الحياة من دونها ، ولذلك قال الإمام الحسين عليه السلام : [ إِنِّي لَا أَرَى المَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً وَالحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَما » « 1 » ، وقال الإمام علي عليه السلام لأصحابه بصفين : « فَالمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ والحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ » « 2 » . وحينما يُسأل الإمام الصادق عليه السلام عن معنى الحياة بعد الموت في الآية يقول : « العَدْلَ بَعْدَ الجَوْرِ » « 3 » . الثالثة : وإلى جانب هذا التفسير السياسي الجاد للآيتين نجد هناك تطبيقات أخرى يتسع لها المعنى ، من بينها أن القلوب تموت بالضلال والانحراف ، ولكن ليس من الصحيح أن ييأس الإنسان من التغيير وقبول ربه التوبة ، فهو واسع المغفرة ، إذن فلا يقنط من رحمته ، فقلبه يمكن أن تعود إليه الحياة مرة أخرى ، لو تراجع عن خطئه ، وبدأ مسيرة تغيير الذات بالتوبة والعمل بما يوافق رسالة الله وآياته ، وقد تناقل المفسرون أن الفضل بن يسار أحد مصاديقهما ، حيث كان ضالا يقطع الطريق ، وقد تواعد مع جارية ، فلما أتاها من جهة الدار متسلقا سمع تاليا يتلوهما فنزل من على الجدار وهو يقول : بلى قد آن ، بلى قد آن . . فتاب من ذنوبه وتحوَّل من قاطع طريق إلى مؤمن زاهد . وكلمة أخيرة : لننظر إلى الأرض القاحلة التي لا زرع ولا ضرع فيها ، كيف يجعلها الله واحة خضراء بالغيث ؟ ! لعلنا نعرف المسافة الشاسعة بين الحياة والموت ، التي تشبه المسافة بين العدم والوجود ، فنزداد بهذه المعرفة ثقة بربنا العظيم وتوكلا عليه لأن هذه الظاهرة تتجلى فيها قدرته وسائر أسمائه الحسنى ، ورحمته المطلقة الكفيلة بنصرنا وإيصالنا إلى أهدافنا ، فلا داعي إذن لليأس والقنوط ، ولنتفكر في عظمة القرآن الذي تُغيِّر آية واحدة منه حياة إنسان امتهن

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 192 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 32 ، ص 442 . ( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 267 .